الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

264

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل ، فدخل عليه بيته فقال : يا أبا الحكم ، ما رأيك فيما سمعت من محمد ؟ قال : ماذا سمعت ؟ تنازعنا نحن وبنو عبد المناف الشرف ، أطعموا فأطعمنا ، وحملوا ( أي أعطوا الناس ما يركبونه ) فحملنا ، وأعطوا فأعطينا ، حتى إذا تجاثينا على الركب وكنا كفرسي رهان ، قالوا : منا نبي يأتيه الوحي من السماء ، فمتى ندرك هذه ؟ والله لا نؤمن به أبدا ، ولا نصدقه ، فقام عنه الأخنس وتركه . وروي أنه التقى أخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام فقال له : يا أبا الحكم ، أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب ، فإنه ليس ها هنا أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا ، فقال أبو جهل : ويحك والله إن محمدا لصادق وما كذب قط ، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش ؟ ! ( 1 ) يتبين من هذه الروايات وأمثالها أن كثيرا من أعداء رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الألداء كانوا في باطنهم يعترفون بصدق ما يقول ، إلا أن التنافس القبلي وما إلى ذلك ، لم يكن يسمح لهم بإعلان ما يعتقدون ، أو لم تكن لديهم الشجاعة على ذلك . إننا نعلم أن مثل هذا الاعتقاد الباطني ما لم يصاحبه التسليم ، لن يكون له أي أثر ، ولا يدخل الإنسان في زمرة المؤمنين الصادقين . الآية الثانية تستأنف مواساة الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وتبين له حال من سبقه من الأنبياء ، وتؤكد له أن هذا ليس مقتصرا عليه وحده ، فالأنبياء قبله نالهم من قومهم مثل ذلك أيضا : ولقد كذبت رسل من قبلك . ولكنهم صبروا وتحملوا حتى انتصروا بعون الله : فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا وهذه سنة إلهية لا قدرة لأحد على تغييرها : ولا مبدل لكلمات الله . وعليه ، فلا تجزع ولا تبتئس إذا ما كذبك قومك وأذوك ، بل اصبر على

--> 1 - الروايات المذكورة مستقادة من تفسير " المنار " و " مجمع البيان " في ذيل الآية المذكورة .